فخر الدين الرازي

10

تفسير الرازي

وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِى الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُورًا * أَفَأَمِنتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ وَكِيلاً * أَمْ أَمِنتُمْ أَن يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِّنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُم بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا ) * اعلم أنه تعالى عاد إلى ذكر الدلائل الدالة على قدرته وحكمته ورحمته ، وقد ذكرنا أن المقصود الأعظم في هذا الكتاب الكريم تقرير دلائل التوحيد ، فإذا امتد الكلام في فصل من الفصول عاد الكلام بعده إلى ذكر دلائل التوحيد ، والمذكور ههنا الوجوه المستنبطة من الانعامات في أحوال ركوب البحر . فالنوع الأول : كيفية حركة الفلك على وجه البحر وهو قوله : * ( ربكم الذي يزجي لكم الفلك في البحر ) * والإزجاء سوق الشيء حالاً بعد حال ، وقد ذكرنا ذلك في تفسير قوله : * ( ببضاعة مزجاة ) * والمعنى : ربكم الذي يسير الفلك على وجه البحر لتبتغوا من فضله في طلب التجارة إنه كان بكم رحيماً ، والخطاب في قوله : * ( ربكم ) * وفي قوله : * ( إنه كان بكم ) * عام في حق الكل ، والمراد من الرحمة منافع الدنيا ومصالحها . والنوع الثاني : قوله : * ( وإذا مسكم الضر في البحر ) * والمراد من الضر ، الخوف الشديد كخوف الغرق : * ( ضل من تدعون إلا إياه ) * والمراد أن الإنسان في تلك الحالة لا يتضرع إلى الصنم والشمس والقمر والملك والفلك . وإنما يتضرع إلى الله تعالى ، فلما نجاكم من الغرق والبحر وأخرجكم إلى البر أعرضتم عن الإيمان والإخلاص * ( وكان الإنسان كفوراً ) * لنعم الله بسبب أن عند الشدة